حوار | ⵜⴰⴷⵍⵙⴰ ⴷ ⵜⵏⵎⵍⴰ (مجتمع وتنمية)
الفاعل الجمعوي حسن ألحيان لـ«تسكدلت ويب راديو»:
«العمل الجمعوي رسالة ومسؤولية.. والهدف الأسمى هو خدمة مسقط الرأس وتأطير أجيال الغد»
أجرى الحوار: سعيد بلوقيد
في إطار تسليط الضوء على الكفاءات المدنية والفاعلين الجمعويين من أبناء المنطقة في ديار المهجر، استضاف برنامج «تغلاغالت ن تسكدلت» الذي تبثه «تسكدلت ويب راديو»، الفاعل الجمعوي حسن ألحيان، ابن دوار آيت داود بجماعة تسكدلت (منطقة تاسلا إيدوسكا) والمقيم بمدينة ليل الفرنسية.
حوار ممتع ومطول يكشف فيه ألحيان عن مساره الحياتي العصامي الذي انطلق من تجارة الأسواق الشعبية بهوارة وعمره لم يتجاوز العاشرة، مروراً بمساره الأكاديمي ودراسته للغة الإسبانية بكلية الآداب بأكادير وإنجازه بحثاً ميدانياً موثقاً لأسماء الأماكن (الطوبونيميا) بإيدوسكا، وصولاً إلى مساره المهني في قطاع الإسعاف بفرنسا وتأسيسه جمعية «آفاق الأطلس 59» لإطلاق مبادرات تنموية وإنسانية هادفة بالجبل.
س: بدايةً، نرحب بك سي حسن عبر أثير إذاعتنا، ومن هو حسن ألحيان في سطور؟
الجواب: مرحباً بك أخي سي سعيد، وتحياتي لجميع مستمعي ومتتبعي إذاعتنا الجمعوية «تسكدلت ويب راديو». أنا حسن أليحيان، من مواليد دوار آيت داود التابع لجماعة تسكدلت (منطقة تاسلا إيدوسكا). أقيم حالياً بمدينة ليل في الشمال الفرنسي منذ نحو 24 سنة.
أعتز كثيراً بانتمائي وأصولي القروية الضاربة في هذه الأرض، وأشكركم بحرارة على هذه المبادرة الإعلامية الرائدة التي تفتح الباب لأبناء الجالية وساكنة المنطقة لتبادل التجارب ومد جسور التواصل.
س: كيف كانت مرحلة البدايات والطفولة والانتقال إلى منطقة هوارة؟
الجواب: وُلدت بدوار آيت داود، وعند بلوغي سن ثلاث سنوات تقريباً، انتقلت الأسرة للاستقرار بمدينة أولاد تايمة (الـ44 بهوارة). هناك بدأت مساري الدراسي بالتعليم الأولي ثم الابتدائي بمدرسة "الليمون" لمدة خمس سنوات، وتابعت في المرحلة الإعدادية.
ورغم انتقالنا إلى هوارة، إلا أن الوالدين رحمهما الله حرصا على بقاء صلتنا وثيقة بالأصل وبالقرية؛ فكنا نعود بانتظام إلى إيدوسكا في مواسم الحرث، والحصاد، وجني ثمار الأركان. هذا الارتباط المبكر هو الذي غرس في داخلي حب هذه الأرض وغيرتي عليها مهما بعدت المسافات.
س: ولجت عالم التجارة في سن مبكرة جداً.. كيف كانت تلك التجربة؟
الجواب: نعم، منذ وصولي إلى الصف الرابع ابتدائي، بدأت أساعد أخي الأكبر «داموح» في دكانه الخاص بأولاد تايمة. ولاحقاً بدأت أنشط في التجارة المتنقلة بـ"الكاروسة" في الأسواق والمواسم القريبة، مثل سوق سيدي بوموسى وموسم إيدوسكا، حيث كنت أبيع الألبسة، والأواني، والبلاستيك، وغيرها.
تلك التجربة لم تكن مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل كانت مدرسة حقيقية علمتني الصبر، والمحاربة، والاعتماد على النفس؛ والأهم من ذلك أنها علمتني أسرار التواصل الإنساني وفهم الناس.
س: أشرت إلى أن التجارة علمتك دراسة أنماط الشخصيات، كيف ساعدك ذلك؟
الجواب: عندما تقف وراء الحانوت أو في السوق، تصادف يومياً عشرات الزبائن وتتعلم قراءة سلوكياتهم تلقائياً:
هناك الشخص السمعي: الذي يتحدث بتأنٍ وتركيز ويحب أن تستمع إليه بدقة، وكلماته هادئة وموزونة.
وهناك الشخص البصري: الذي يتكلم بسرعة فائقة (قد تصل لأكثر من 240 كلمة في الدقيقة)، عيناه تسبقان كلماته، ويحتاج أن تواكبه في نسقه وحركته.
وهناك الشخص الحسي: الذي تحركه مشاعره وعواطفه الداخلية في اتخاذ القرار.
فهم هذه الأنماط هو المفتاح السحري للتواصل الناجح؛ ليس فقط في البيع والشراء، بل في العلاقات الزوجية، والعائلية، والعملية، وخاصة في العمل الجمعوي الذي يتطلب إقناع الناس والتعامل مع مختلف الطباع بحكمة ومرونة.
س: بعد البكالوريا، اخترت دراسة الأدب الإسباني بأكادير.. كيف خضت تلك المرحلة؟
الجواب: نلت شهادة البكالوريا في هوارة سنة 1995 في شعبة الآداب. وفي تلك الفترة لم تكن هناك مباريات أو معاهد متنوعة كما هو الحال اليوم، فكان الخيار إما مركز تكوين المعلمين أو متابعة الدراسات الجامعية. اخترت التسجيل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير في شعبة اللغة الإسبانية وآدابها.
كانت مرحلة تحدٍّ جديدة، حيث اضطررت للاستقرار في أكادير والبحث عن الكراء والاعتماد على نفسي بشكل كامل، واستعنت بمهاراتي التجارية في تدبير أموري وتسهيل علاقاتي هناك.
س: أنجزت بحث الإجازة حول موضوع محلي فريد.. ما هي تفاصيله؟
الجواب: بالنسبة لمشروع التخرج لنيل شهادة الإجازة (موسم 1998-1999)، كان أغلب الطلبة يختارون أبحاثاً كلاسيكية في الأدب الإسباني أو اللاتيني كأدب المكسيك. لكنني، مدفوعاً بغيرتي على مسقط رأسي، اقترحت على الأستاذ المشرف إنجاز بحث ميداني حول: «دراسة أسماء الأماكن (La Toponymie) بمنطقة تاسلا إيدوسكا».
قمت بجولات ميدانية بمساعدة أبناء المنطقة، وطفت على 13 دواراً بإيدوسكا رفقة رفاقي مثل إبراهيم نايت بوريا. استجوبت كبار السن ودونت شفوياً أصول أسماء الدواوير، والأودية، والجبال، والشعاب، ووثقتها باللغة الإسبانية. هذا البحث حظي بتنويه خاص، وهو مودع حالياً ومتاح بخزانة كلية الآداب بأكادير ليكون مرجعاً توثيقياً لتاريخ المنطقة وجغرافيتها.
س: ما هي الظروف التي دفعتك للهجرة نحو فرنسا سنة 2000؟
الجواب: في أواخر التسعينيات (1998-1999)، كانت الآفاق المهنية بالمغرب شبه منسدة لحاملي الإجازة في الإسبانية؛ فمباريات التدريس توقفت لتلك الشعبة، ولم تكن تفتح سوى مباريات الدرك أو الجمارك بفرص محدودة جداً.
أمام هذا الأفق المسدود، كان القرار هو خوض غمار الهجرة نحو فرنسا بحثاً عن تطوير الذات وآفاق أوسع. التحقت بمدينة ليل، وهناك بدأت رحلة كفاح جديدة في بلاد المهجر.
س: اشتغلت لسنوات طويلة في قطاع الإسعاف بفرنسا.. ماذا أضافت لك هذه المهنة؟
الجواب: عملت كمسعف وسائق سيارة إسعاف (Ambulancier) ومسؤول في هذا المجال بفرنسا لمدة تقارب 11 عاماً، وتحديداً بين سنتي 2007 و2016. مهنة الإسعاف هي مدرسة قائمة بذاتها في الإنقاذ، وسرعة البديهة، وضبط الأعصاب أمام حالات الحوادث والحرجة.
المسعف يكتسب مهارة قراءة العلامات السريرية الأولية للمريض؛ وقد واجهت مواقف طارئة حتى على متن الطائرات في رحلات جوية، حيث تدخلت لإسعاف مسافرين أغمي عليهم نتيجة انخفاض مفاجئ في ضغط الدم وساعدتهم حتى استعادوا توازنهم. هذه التجربة جعلتني أدرك لاحقاً الأهمية القصوى لنشر ثقافة الإسعافات الأولية في قرانا ومداشرنا النائية.
س: كيف ولدت فكرة تأسيس جمعية «آفاق الأطلس 59» (Atlas Horizon 59)؟
الجواب: فكرة الجمعية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت بعد تراكم في العمل الجمعوي الذي بدأته منذ أواخر التسعينيات مع تأسيس جمعية "أركان إيلالن" بإيدوسكا.
وفي مطلع سنة 2022، وأثناء زيارتي لأولاد تايمة بعد فترة كورونا، التقيت بصديقي محمد الطيبي في مقهى وتجاذبنا أطراف الحديث حول واقع قرانا واحتياجاتها. طرحت عليه فكرة إطلاق مبادرة نوعية لفائدة تلاميذ المدارس. وكان لا بد من إطار قانوني منظم يتيح لنا التحرك وجمع التبرعات وتدبير الشراكات باحترافية، فقمت بتأسيس جمعية «آفاق الأطلس 59» بفرنسا رفقة كفاءات من أبناء المنطقة ككريم مهدي وغيره. والرقم 59 هو الرمز البريدي والإداري لمقاطعة "نور" (عاصمتها مدينة ليل).
س: من أين استلهمت فكرة توزيع الدراجات الهوائية على تلاميذ البوادي؟
الجواب: خطرت لي الفكرة وأنا جالس على مقعد الطائرة متوجهاً من فرنسا إلى المغرب؛ كنت أفكر في ما يمكن أن يدخل فرحة عارمة وحقيقية على قلوب أطفال الدواوير ويساعدهم في نفس الوقت على متابعة دراستهم. تذكرت طفولتي، وكيف كانت الدراجة الهوائية بمثابة حلم كبير لكل طفل قروي.
قررت أن يكون الهدف هو تمكين كل تلميذ من دراجة هوائية خاصة به، لتقليص المسافات الطويلة بين الدواوير والمدارس، ومحاربة الهدر المدرسي، وتشجيعهم على التفوق الدراسي.
س: ما هي أبرز المبادرات الميدانية التي نفذتها الجمعية بالمنطقة؟
الجواب: بفضل الله وتظافر جهود الشركاء، قمنا بسلسلة من المبادرات النوعية:
* سنة 2023: إطلاق مبادرة كبرى لتوزيع الدراجات الهوائية وسترات الأمان لفائدة تلاميذ مدارس مجموعة إنزاض، وتزاو، والهري، بدعم وتنسيق مع جمعيات محلية فاعلة كجمعية "آيت داود".
* سنة 2024: تنظيم مبادرة ثانية بشراكة مع "جمعية اتحاد أسركس"، حيث شمل التوزيع دراجات هوائية، وكراسي متحركة لذوي الاحتياجات الخاصة، ومعدات شبه طبية.
* تجهيز المداشر بالإسعافات الأولية: وزعنا نحو 40 صيدلية منزلية متكاملة على خمسة دواوير، تتضمن معدات تضميد الجروح ومطهرات، والأهم تزويد كل دوار بجهاز قياس ضغط الدم الإلكتروني (Tensiomètre). فالضغط المرتفع يسمى "القاتل الصامت"، وتوفير هذا الجهاز في الدوار يتيح فحص الحالات المعرضة للجلطات أو الشلل قبل فوات الأوان ونقلها للمستشفى.
* دعم سيارة الإسعاف الجماعية: تزويد سيارة الإسعاف التابعة للجماعة بكرسي درج خاص (Chaise d'évacuation) يسهل نقل المرضى والمسنين العاجزين عن الحركة من البيوت الواقعة في التضاريس الوعرة والأزقة الضيقة إلى سيارة الإسعاف بكل كرامة وسلامة.
س: بصمت الجمعية في 2026 على مبادرة متميزة جمعت بين الاجتماعي، والتربوي، والصحي، وتكريم المرأة.. ما هي تفاصيل هذا الحفل؟
الجواب: مبادرة سنة 2026 كانت عرساً اجتماعياً وتربوياً متكاملاً بكل المقاييس، حيث حرصنا على أن تتضمن باقة واسعة من الأنشطة الإنسانية الهادفة بشراكة مع فعاليات متعددة:
ورشة الحلاقة: استُهل البرنامج بتنظيم ورشة للحلاقة لفائدة حوالي 40 تلميذاً، أشرف على تأطيرها طاقم مدرسة "جنى بلانيت للحلاقة والتجميل"، وهي مبادرة لاقت استحساناً وفرحة كبيرة من التلاميذ وأولياء أمورهم.
ورشة الإسعافات الأولية: قدم أطر منظمة الهلال المغربي للإغاثة والإنقاذ ورشة تطبيقية، جرى خلالها تحسيس المتعلمين بأهمية الإسعافات الأولية وتزويدهم بالمعارف والتقنيات الأساسية للتعامل مع الحالات الطارئة.
تكريم المرأة القروية: في مبادرة رمزية تعكس الاعتراف بدورها المحوري في تربية الأجيال ودعم التمدرس،
توزيع الدراجات الهوائية: اختُتمت الفعاليات بتوزيع 62 دراجة هوائية جديدة مجهزة بالخوذات الواقية والسترات العاكسة على تلاميذ المؤسسة، تحت إشراف الجمعية، تشجيعاً لهم على مواصلة مسارهم الدراسي وتخفيفاً لمعاناة التنقل اليومي بالمسالك القروية.
س: ما هي الرسالة التي توجهها لشباب تسكدلت وإيدوسكا وعموم المغرب؟
الجواب: رسالتي إلى كل شاب: لا تنتظر أن تأتيك الفرص على طبق من ذهب؛ تحرك وكن عصامياً ومحارباً في حياتك.
* استثمر أولاً في تطوير ذاتك وقدراتك الذهنية والروحية والصحية.
* احرص على تعلم مهارات التواصل، وتعرف على الناس، ووسع علاقاتك الإيجابية.
* لا تجعل التحديات عائقاً، بل اجعلها حافزاً للنجاح.
وكما أخذنا المشعل عن أساتذتنا وإخواننا الذين سبقونا في العمل الجمعوي كسي حفيظ أشفي وسي مصطفى الخليفة وغيرهم، يجب على الشباب الصاعد أن يستعد لحمل المشعل وإكمال مسيرة خدمة وتنمية مسقط الرأس.
س: كلمة ختامية نختم بها هذا الحوار الشيق؟
الجواب: أجدد شكري وتقديري الخالص لطاقم إذاعة «تسكدلت ويب راديو» ولجمعية «أكادير إيغرم» و«اتحاد أسروكس» و«آيت داود»، ولكل السلطات المحلية والمجلس الجماعي لتسكدلت.
تحية إجلال لوالدتي العزيزة ولكافة أفراد عائلتي وأصدقائي بالمغرب وبديار المهجر في فرنسا، وبلجيكا، وهولندا، وكندا، وأمريكا. نحن في جمعية «آفاق الأطلس 59» نعتبر أنفسنا في بداية الطريق، وأبوابنا مفتوحة دائماً لكل شراكة بناءة هدفها الصالح العام وإدخال البسمة على أهلنا في الجبل. دمتم في رعاية الله وحفظه.
بقلم سعيد بلوقيد