حوار | ⵜⴰⴷⵍⵙⴰ ⴷ ⵜⵓⵏⵏⵓⵏⵜ (ثقافة ورياضة)
الإطار والمدرب الرياضي محمد موهراك:
«الأيكيبودو بالنسبة لي ليس مجرد رياضة بل مدرسة للتربية والانضباط»
في إطار تسليط الضوء على الوجوه الرياضية والتربوية البارزة والمنحدرة من منطقتنا، أجرى منبرنا هذا الحوار الخاص مع المدرب والإطار الرياضي محمد موهراك، ابن دوار تيوغزا بجماعة تسكدلت، والذي بصم على مسار حافل في الفنون الدفاعية توّجه بتأسيس وتوطين رياضة «الأيكيبودو» بمدينة آيت باها، مساهماً في تكوين أجيال من الممارسين والأطر على مدى عقود. نقترب معه في هذه الأسطر من تفاصيل بداياته، ومحطات مساره، وتحديات نقل التجربة إلى الجبل، ورؤيته للبُعد التربوي للرياضة.
س: بدايةً، من هو محمد موهراك؟ وكيف تصف ارتباطك بالمنطقة؟
الجواب: أنا محمد موهراك، من مواليد سنة 1980 بدوار تيوغزا التابع لجماعة تسكدلت. أعتز جداً بانتمائي إلى هذه المنطقة التي اعتبرها دائماً المنطلق الأساسي لكل مساري في الحياة، وأشكر إذاعة «تسكدلت ويب راديو» على هذه المبادرة التي تتيح لأبناء المنطقة فرصة مد جسور التواصل وتقاسم تجاربهم مع الرأي العام.
س: كيف كانت أجواء الطفولة الأولى ومراحل التعليم الأساسي؟
الجواب: كأغلب أبناء البادية، عشت طفولة قروية بسيطة عنوانها الارتباط بالمسجيد وحفظ القرآن الكريم. بعدها التحقت بالتعليم الابتدائي سنة 1986 بمدرسة "طارق بن زياد" بمركز آيت باها، وهي مرحلة جميلة جداً ما زلت أحتفظ بذكرياتها، حيث كانت آيت باها مركزاً نموذجياً يتميز بالنظافة والهدوء والروابط الاجتماعية الوثيقة. وبعدها انتقلت مع الأسرة نحو مدينة أولاد تايمة عام 1988، وهناك واصلت دراستي حتى السنة الخامسة ابتدائي قبل أن أتوقف.
س: كيف خطوت أولى خطواتك في الميدان الرياضي؟
الجواب: شغفي بالرياضة ظهر مبكراً في منتصف التسعينيات من خلال ألعاب القوى والعدو الريفي؛ حيث شاركت في بطولات مدرسية ونلت المرتبة الأولى محلياً، ثم حققت المرتبة الثانية في ماراثون المدارس بتارودانت. ورغم أنها كانت انطلاقة واعدة ومحفزة، إلا أن صغر سني وتخوف الأسرة من السفر إلى منافسات أكادير حالا دون مواصلة هذا المسار.
س: وما الذي وجهك لاحقاً نحو الرياضات القتالية وفن «الأيكيبودو» تحديداً؟
الجواب: التحقت أولاً بإحدى الجمعيات بأولاد تايمة لممارسة الملاكمة الإنجليزية، ثم خضت تجربة قصيرة في الكاراتيه، لكن نقطة التحول الكبرى كانت سنة 1997 حين تعرفت على رياضة "الأيكيبودو". لفت انتباهي هذا الفن الياباني كونه يجمع بين تقنيات الدفاع عن النفس واستخدام الأيدي والأرجل والأسلحة التقليدية، مع تركيزه العميق على ضبط النفس والاحترام والتهذيب الأخلاقي. بدأت التدرب تحت إشراف الأستاذ خليل عصام وتأثرت كثيراً بمنهجيته.
س: متى توليت مسؤولية التدريب والتأطير؟
الجواب: حين بلغت رتبة الحزام البني، اضطر مؤطري الأستاذ خليل للهجرة إلى إيطاليا، فوجدت نفسي أمام مسؤولية الحفاظ على الجمعية وتأطير فئات الصغار والشباب، فكانت تلك خطوتي العملية الأولى في التسيير والتدريب. وفي سنة 2001 اجتزت امتحان الدرجة الأولى (دان 1) بتارودانت ونلت الحزام الأسود الدولي، وهو إنجاز منحني فخراً كبيراً وحمّلني مسؤولية نقل هذه المعارف للأجيال اللاحقة.
س: ما هي فلسفة الأيكيبودو ورسالته التربوية؟
الجواب: هو فن دفاعي ياباني تقليدي يقوم بالدرجة الأولى على رد الخطر دون استخدام العنف المجاني، ويرتكز على احترام الآخر والتحكم في الانفعالات. الفلسفة التي نؤمن بها هي أن الرياضة وسيلة لبناء الإنسان؛ لذا نحرص دوماً على غرس الانضباط والأخلاق الفاضلة في وجدان الطفل قبل تدريبه على الحركات التكتيكية.
س: كيف ولدت فكرة نقل هذه الرياضة إلى آيت باها عام 2004؟
الجواب: خلال زيارة للمنطقة في رمضان 2004، لمست شغفاً كبيراً لدى الشباب والأطفال بالأنشطة الرياضية، قابله غياب شبه تام للبنيات التحتية المتخصصة في الفنون الدفاعية. قررت حينها ألا أحتكر التجربة بأولاد تايمة، وأن أنقل هذا الفن إلى أبناء مسقط رأسي. اكتريت محلاً متواضعاً بآيت باها، ورغم انعدام الإمكانيات – حيث لم نكن نملك حتى بساط "الطاطامي" في البداية – إلا أننا انطلقنا بتشجيع من السلطات المحلية وبعض الفاعلين.
س: كيف استقبلت ساكنة آيت باها هذا الوافد الرياضي الجديد؟
الجواب: واجهنا في البداية نوعاً من التحفظ الطبيعي بحكم حداثة الرياضة على المنطقة، لكن سرعان ما زال التردد بفضل المعاملة التربوية والانضباط داخل القاعة، وتزايد الإقبال بشكل لافت من مختلف الفئات والأعمار. كما شجعنا الفتيات والنساء على ممارسة الرياضة من خلال حصص خاصة لـ"الأيروبيك" تحت تأطير أستاذة للتربية البدنية، وهو ما عزز الثقة الكبيرة مع الأسر والعائلات المحافظة بالمنطقة.
س: ما هي الحصيلة الرياضية والتكوينية لهذه التجربة؟
الجواب: كان عدد الممارسين يتراوح ما بين 200 و250 مستفيداً ومستفيدة سنوياً، وهو رقم قياسي بالنظر لخصوصيات المنطقة وإمكانياتها. والأهم من ذلك، تمكنا بين سنتي 2004 و2006 من تخريج الفوج الأول من الحاصلين على الحزام الأسود (12 ممارساً)، وارتفع العدد التراكمي إلى نحو 29 حزاماً أسود في أفق سنة 2010. أما على مستواي الشخصي، فقد واصلت التدرج ونلت الدرجة الثانية (دان 2) سنة 2005، ثم الدرجة الثالثة (دان 3) سنة 2010 بمدينة آيت باها.
س: خضت تحدياً حقيقياً للاستمرار والتنقل.. كيف دبرت تلك المرحلة؟
الجواب: كانت مرحلة مرهقة للغاية وممتلئة بالمشاق؛ كنت مقيماً ومستقراً بأولاد تايمة وأتنقل إلى آيت باها ثلاث مرات أسبوعياً عبر وسائل النقل العمومي، وفي أحيان كثيرة كنت أعود في ساعات متأخرة من الليل تحت وطأة البرد والظلام. ما كان يدفعني للاستمرار وتحدي تلك الظروف الصعبة هو رؤية الشغف في عيون الممارسين وإيماني بعدم التخلي عن هذا المشروع الواعد في منتصف الطريق.
س: كيف ترى أثر هذه التجربة اليوم؟
الجواب: أعظم نجاح وأكبر فخر بالنسبة لي هو رؤية أولئك الأطفال الذين استقبلتهم صغاراً في بدايات تأسيس القاعة، وهم اليوم أطر ومؤطرون ومدربون يقودون القاعات ويؤطرون بدورهم أجيالاً جديدة من أبناء المنطقة؛ هذا هو الاستثمار الحقيقي.
س: كلمة ختامية للشباب والناشئة؟
الجواب: رسالتي إلى كل الشباب هي ضرورة استثمار الوقت فيما ينفع ذواتهم ومجتمعهم. الرياضة قبل أن تكون ألقاباً ومنصات تتويج، هي مدرسة لتربية الروح، وتعزيز قيم الصبر والمثابرة، وبناء الإنسان السوي الصالح لوطنه وأهله.
بقلم سعيد بلوقيد