حوار | ⵜⴰⴷⵍⵙⴰ ⴷ ⵜⵏⵎⵍⴰ (مجتمع وتنمية)
رئيس «شبكة جمعيات تسكدلت» المختار أحرڭوڭ لـ«تسكدلت ويب راديو»:
«النقل المدرسي شريان التنمية ومحاربة الهدر المدرسي.. والعمل الجمعوي تضحية ومسؤولية لخدمة أبناء الجبل»
أجرى الحوار: سعيد بلوقيد
في إطار مواكبة قضايا الشأن المحلي وتسليط الضوء على العمل الجمعوي والتنموي بالمنطقة، استضاف برنامج «صوت الجمعيات» الذي تبثه «تسكدلت ويب راديو»، الفاعل الجمعوي المختار أحرڭوڭ، رئيس «شبكة جمعيات تسكدلت». حوار صريح ومفصل يفتح فيه أحرڭوڭ المختار ملف النقل المدرسي بجماعة تسكدلت اقليم شتوكة ايت باها، مستعرضاً مسار التجربة منذ انطلاقتها الأولى، والتحديات المادية واللوجستيكية الصعبة التي تواجه الأسطول في المسالك الجبلية، وحقيقة الوضع المالي في ظل العجز وتأخر المنح، إلى جانب الموقف من ورش تفويت القطاع لـ«شركة التنمية الإقليمية»، موجهاً رسائل مباشرة للآباء، والسائقين، والمنتخبين.
س: بداية، نرحب بك سي المختار عبر أثير إذاعتنا، ومن هو المختار أحرڭوڭ لمن لا يعرفه؟
الجواب: أهلاً بك أخي سي سعيد، وتحية طيبة لك ولكافة مشاهدي ومستمعي «تسكدلت ويب راديو». أحييكم بحرارة على هذه المبادرة الإعلامية الجمعوية المتميزة التي تركت بصمة وصوتاً مسموعاً بالمنطقة وفتحت فضاءً راقياً للحوار والنقاش الجاد.
المختار أحرڭوڭ، فاعل جمعوي منذ سنة 2006؛ تدرجت في العمل الجمعوي عبر رئاسة عدد من الجمعيات التنموية على مستوى الدواوير. التحقت بشبكة جمعيات تسكدلت كعضو منذ تأسيسها سنة 2012، ثم أعدنا هيكلتها وتجديدها في الفترة ما بين 2017 و2018 حيث توليت رئاستها. أنا أستاذ ومكون ومتابع للشأن المحلي، وغايتي الدائمة هي المساهمة في تحريك عجلة التنمية ودعم ازدهار منطقتنا.
س: ما هو الإطار العام لـ«شبكة جمعيات تسكدلت»، وما هي دواعي تأسيسها؟
الجواب: الشبكة هي تكتل واتحاد يجمع جمعيات دواوير جماعة تسكدلت في إطار تنظيمي موحد. الدافع الأساسي لتأسيسها هو أن الجمعية المحلية في دوار واحد لا تستطيع بمفردها مجابهة التحديات الكبرى أو تحقيق تنمية شاملة للمنطقة. كان لا بد من إطار تنسيقي يذيب الحسابات الضيقة ويترافع بقوة عن المصالح المشتركة لتسكدلت، سواء سُمي اتحاداً أو فيدرالية أو شبكة، ونحن اخترنا إطار «شبكة جمعيات تسكدلت».
س: انطلاق تدبير النقل المدرسي كان هو المحك الحقيقي للشبكة.. كيف كانت البدايات؟
الجواب: الدافع الأكبر والشرارة الأولى التي أحيت الشبكة وحركت طاقتها كانت هي معضلة النقل المدرسي. لا يخفى عليك أخي سعيد المعاناة القاسية التي كان يعيشها أبناء تسكدلت؛ كان التلميذ يستيقظ على الساعة الخامسة صباحاً ليقطع كيلومترات طويلة في الظلام والبرد والأوحال للوصول إلى المدرسة الجماعاتية أو الإعدادية بـ"الحلات".
كان الطفل يصل إلى حجرة الدرس مبللاً، منهكاً، وفاقداً للتركيز والرغبة في التحصيل، وهو ما غذى ظاهرة الهدر المدرسي. انطلقت الفكرة أولاً باقتناء حافلة واحدة سنة 2012 ممنوحة من الأكاديمية، ولم تكن تغطي سوى نقط محدودة ومتباعدة، في حين كان يلجأ الباقون للنقل السري أو النقل المزدوج. ومع تجديد الشبكة، وضعنا هدف التوسيع كأولوية قصوى حتى انتقلنا من حافلة إلى اثنتين، ثم ثلاث، أربع، خمس، إلى أن بلغ أسطولنا اليوم 6 حافلات تغطي تراب الجماعة.
س: لغة الأرقام تعكس دائماً حجم العمل.. ما هي معطيات الأسطول والمستفيدين اليوم؟
المختار أحرڭوڭ: الأرقام تتحدث عن مجهود يومي جبار:
* عدد الحافلات: 6 حافلات تشتغل بصفة منتظمة.
* المستفيدون: نؤمن يومياً نقل زهاء 500 تلميذ وتلميذة.
* نسبة الفتيات: تمثل الإناث 60% من المستفيدين، وهذا مؤشر نفخر به، إذ قضينا بشكل جذري على ظاهرة انقطاع الفتيات عن الدراسة في هذه المرحلة.
* المسافات المقطوعة: يقطع الأسطول شهرياً حوالي 12,000 كيلومتر على مسالك جبلية متعرجة ووعرة.
* وجهات الوصول: حافلاتنا لا تقتصر على خط واحد؛ بل نؤمن النقل نحو المدرسة الجماعاتية وإعدادية الحلات، ونحو ثانوية إيمي مقورن، وثانوية آيت باها.
س: كيف تدبرون مساهمات الآباء، وما هي التسهيلات الممنوحة لتشجيعهم؟
المختار أحرڭوڭ: حددنا مبالغ رمزية مراعاة للقدرة الشرائية لساكنة الجبل؛ تتراوح بين 30 درهماً شهرياً للخطوط القريبة، و50 درهماً لخطوط إمي مقورن وآيت باها.
ولتشجيع الأسر على الأداء المبكر، وضعنا تحفيزاً بمنح تخفيض شهر كامل لمن يؤدي واجب السنة دفعة واحدة (فمن يؤدي 30 درهماً شهرياً يدفع 270 درهماً للسنة بدلاً من 300 درهم، ومن يؤدي 50 درهماً يدفع 450 درهماً بدلاً من 500 درهم). الهدف هو تفادي تراكم الديون، إذ نلاحظ أن بعض الآباء يتأخرون لشهرين أو ثلاثة.
كما أحيي بالمناسبة مبادرات جمعيات محلية التي تتكفل بجمع تبرعات المحسنين وأداء واجبات النقل المدرسي عن جميع تلاميذ دوارها مباشرة للشبكة، وهي خطوة تضامنية تخفف العبء عن الأسر وتدعم استمرارية المرفق.
س: الحديث عن النقل يجرنا حتماً إلى كلفة التسيير؛ ما هي مصاريف هذا الأسطول؟
الجواب: المصاريف باهظة جداً وتتطلب تدبيراً يومياً دقيقاً:
* المحروقات (الغازوال): تستهلك الحافلة الواحدة ما يقارب 1,000 درهم أسبوعياً (نحو 4,000 درهم شهرياً). الأسطول ككل يستهلك قرابة 24,000 درهم شهرياً من الغازوال، أي ما يعادل 240,000 درهم (24 مليون سنتيم) سنوياً.
* أجور السائقين والتغطية الاجتماعية: نشغل 6 سائقين مهنيين براتب شهري يبلغ 3,000 درهم لكل سائق (18,000 درهم شهرياً)، يضاف إليها واجبات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) التي تتراوح بين 1,500 و2,000 درهم شهرياً عن كل سائق.
* الصيانة وقطع الغيار: قساوة التضاريس الجبلية تهلك العجلات وميكانيك الحافلات بسرعة؛ فنضطر لتغيير العجلات مرتين في السنة لكل حافلة (كل 6 أشهر). يضاف إلى ذلك الفحص التقني الإجباري كل 6 أشهر، وفحص جهاز التسجيل (الديسك) كل سنتين لضمان صلاحية التأمين.
المصاريف الثابتة تتجاوز 44,000 درهم شهرياً، دون احتساب الأعطاب المفاجئة وفواتير الإصلاح الثقيلة.
س: ماذا عن التقرير المالي لسنة 2024 وحجم الدعم العمومي؟
المختار أحرڭوڭ: التقرير المالي يعكس بوضوح العجز الهيكلي المزمن:
* المداخيل: بلغت برسم 2024 ما مجموعه 467,346 درهماً (شملت الرصيد المتبقي عن سنة 2023، ومنحة المجلس الجماعي البالغة 240,000 درهم، ومساهمات التلاميذ، ودعم بعض الشركاء والجمعيات).
* المصاريف: بلغت 467,102.88 درهماً.
* الرصيد المتبقي في البنك: 243.12 درهماً فقط!
نحن نعيش على حافة العجز دائماً، ولولا التدخل المالي الذاتي من أموال خاصة لبعض المسيرين (وعلى رأسهم أمين المال الحاج محمد أيت سي) لضمان السيولة لأداء أجور السائقين وفواتير محطات الوقود ريثما تُصرف المنح، لتوقف الأسطول. فالمجلس الإقليمي مثلاً يقدم دعماً هزيلاً (نحو 5,500 درهم للحافلة سنوياً) ولا يُصرف إلا في شهر دجنبر، ومنحة الجماعة تتأخر أحياناً لمنتصف السنة!
س: ما هي أبرز الإكراهات الميدانية التي تواجه عملكم؟
المختار أحرڭوڭ: يمكن تلخيصها في نقاط أساسية:
* وعورة المسالك وتشتت الدواوير: تباعد المجموعات السكنية والمنعرجات الضيقة تمنع إدخال حافلات كبيرة، وتلزمنا بالاعتماد على الحافلات الصغيرة (Minibus) وتكرار الرحلات.
* الاكتظاظ وتنامي الطلب: انتقلنا من 300 تلميذ إلى نحو 500 تلميذ، مما يخلق ضغطاً شديداً على المقاعد ويضعنا بين نارين: تطبيق القانون حرفياً وحرمان أبناء الجبل من الدراسة، أو المغامرة لنقلهم جميعاً.
* توقف بعض مصادر الدعم: مثل دعم إحدى الشركات الصناعية بالمنطقة التي كانت تمنحنا سابقاً 95,000 درهم وتوقفت، مما عمق الأزمة.
* تعثر مشروع داخلية الحلات: تعثر فتح دار الطالب بالحلات زاد الضغط اليومي على النقل المدرسي، يضاف إليه تخلي بعض الممنوحين عن مقاعدهم في الداخليات الأخرى وتفضيل التنقل اليومي عبر حافلاتنا.
* غياب ثقافة المحافظة: ضعف الوعي لدى بعض التلاميذ في الحفاظ على سلامة الحافلات والتجهيزات، وهو ورش يتطلب تعاوناً مع جمعيات الآباء.
س: كيف تختارون السائقين وما هي الشروط المطلوبة فيهم؟
المختار أحرڭوڭ: سائق النقل المدرسي في الجبل ليس سائقاً عادياً. الشق الأول تقني، حيث يشترط توفره على رخصة السياقة من صنف (D) والبطاقة المهنية وتجربة القيادة الجبلية. أما الشق الأهم فهو الجانب التربوي والأخلاقي؛ فالسائق يعتبر بمثابة الأب والمربي والقدوة داخل الحافلة. التلاميذ أمانة على عاتقه، وعليه أن يتصف بالصبر وطول البال والتعامل اللين والحازم لحفظ النظام والسلامة في الذهاب والإياب.
س: يروج حديث متواصل حول مشروع تفويت النقل لـ«شركة التنمية الإقليمية».. ما موقفكم؟
المختار أحرڭوڭ: شاركنا في لقاءات رسمية برئاسة السيد الكاتب العام للعمالة، وأبدينا ملاحظات موضوعية واضحة تنبع من درايتنا بالميدان:
* خصوصية الجبل: نموذج الخطوط الطويلة الموحدة الناجح في السهول لا يمكن استنساخه في تضاريس الجبل المتشعبة والوعرة.
* التعريفة: نتخوف من فرض تعريفة مرتفعة (بين 150 و300 درهم شهرياً) لا طاقة للأسر الجبلية بها، مما قد يتسبب في طرد جماعي للتلاميذ من المدارس.
ومع ذلك، نؤكد أننا لسنا ضد أي مشروع تنموي؛ فإذا دخلت الشركة، سنسلمها المشعل بكل سلاسة ومسؤولية مع التزامات التلاميذ وما تبقى من مبالغهم دون أي مشكل، لتتفرغ الجمعيات لمشاريع تنموية أخرى. لكن إلى حين ذلك، فالشبكة ملتزمة بحمل العبء وتأمين الخدمة طيلة هذه السنة الدراسية.
س: ما هي رسالتك المفتوحة لأولياء الأمور وللسائقين؟
المختار أحرڭوڭ:
* إلى الآباء والأمهات: لا تكتفوا فقط بأداء الواجب الشهري؛ انخرطوا في جمعيات الآباء وواكبوا أبناءكم. علموا أبناءكم احترام السائقين والمحافظة على الحافلات كأنها ملك لهم. وذكروهم بأن الظروف اليوم أفضل بكثير من الماضي حيث كانت الدراسة حلماً شاقاً، وحثوهم على الاجتهاد والنجاح.
* إلى السائقين الأفاضل: نوجه لهم تحية إجلال وعرفان؛ هم جنود الخفاء الذين يستيقظون فجراً ويتحملون مشاق الطرق وصعوبة المناخ بأجور متواضعة، جزاهم الله خيراً على صبرهم وتضحياتهم لخدمة أبناء تسكدلت.
س: كلمة ختامية نختم بها هذا اللقاء؟
المختار أحرڭوڭ: أجدد الشكر الجزيل لطاقم «تسكدلت ويب راديو» على هذه الالتفاتة الكريمة. وأدعو المجالس المنتخبة (المجلس الإقليمي والجماعي) إلى مضاعفة الدعم والتسريع بصرفه، وتوفير حافلات جديدة لتعويض المتهالكة واستيعاب الاكتظاظ. أبواب شبكة جمعيات تسكدلت ستبقى دائماً مفتوحة أمام جميع الجمعيات والفاعلين للانخراط والمساهمة في بناء مستقبل أفضل لمنطقتنا وناشئتنا.