الفاعل الجمعوي والفنان ياسين بلوقيد لـ «تسكدلت ويب راديو»:
«العمل التنموي ليس وجاهة بل استمرارية لقيم "تويزي"، والميدان يتطلب وضع القطن في الآذان»
إعداد وحوار: سعيد بلوقيد توثيق: «تسكدلت ويب راديو» / برنامج «تاغلاغالت ن تسكدلت»
يجمع بين صرامة التجارة، وروح المبادرة الجمعوية، ورهافة الحس الفني. من دوار «ويدوران» بقبيلة إيگيا (جماعة تسكدلت) إلى مدينة القنيطرة، شقّ الفاعل الجمعوي والفنان ياسين بلوقيد (المعروف فنياً بـ "ياسين إتران") مساراً حافلاً بالتحديات، حيث شكّل علامة بارزة في تأطير شباب المنطقة رياضياً واجتماعياً، وجعل من الفن والرياضة جسراً لفك العزلة وطرح قضايا التنمية القروية.
في هذا الحوار، يفتح ياسين صفحات من البدايات، وتجربة الهجرة المبكرة، وسر نجاح دوري «آيت واسو»، وصولاً إلى رسائله الصريحة للشباب والفاعلين المحليين.
سعيد بلوقيد: مرحباً بك سي ياسين معنا عبر أثير وموقع «تسكدلت ويب راديو». لو طلبنا منك بطاقة تعريفية تُقرب المستمعين والمتابعين من شخصيتك وجذورك، ماذا تقول؟
ياسين بلوقيد: تحية طيبة لك أخي سعيد ولكل طاقم ومتابعي «تسكدلت ويب راديو». ياسين بلوقيد، ابن دوار «ويدوران» التابع لقبيلة إيگيا بجماعة تسكدلت في إقليم اشتوكة آيت باها. أستقر حالياً بمدينة القنيطرة حيث أمارس نشاطي المهني، رب أسرة وأب لأطفال. ورغم المسافة الجغرافية، فإن ارتباطي بمسقط الرأس «تمازيرت» وبإيگيا يظل وثيقاً ونابضاً؛ فالهوية والارتباط بالأرض هما البوصلة الحقيقية في كل ما أقوم به من مبادرات جمعوية وفنية.
س: بالعودة إلى الطفولة الأولى في عمق جبال الأطلس الصغير، كيف كانت ملامح النشأة في دوار ويدوران؟
الجواب: كانت طفولة بسيطة لكنها غنية بالقيم. ترعرعت في ويدوران ودرست في المدرسة المحلية، وكنت كباقي أقراني أتردد على مسجد الدوار لحفظ القرآن الكريم تحت رعاية أئمة وفقهاء القرية خاصة خلال العطل الصيفية. كانت الحياة تجمع بين التحصيل الديني الأولي، وألعاب الطفولة الفطرية، وحرص الأهل على غرس الانضباط واحترام الجماعة، وهي البيئة التي صقلت وعيي الأول.
س: في سن مبكرة (سنة 1998)، قررت مغادرة القرية نحو القنيطرة وعمرك لا يتجاوز 14 عاماً. كيف عشت صدمة الانتقال والاندماج في فضاء المدينة؟
الجواب: الخروج من القرية بعد نيل الشهادة الابتدائية كان بدافع الطموح والبحث عن أفق أرحب. استقراري بالقنيطرة كان طبيعياً لوجود أفراد من العائلة هناك. البداية لم تكن سهلة أبداً؛ اشتغلت في محل تجاري بسيط (محلبة/بقالة) بأجر لم يتجاوز 200 درهم شهرياً. لم يكن الهاجس مادياً بقدر ما كان رغبة في التعلم والاحتكاك بالحياة اليومية للمدينة.
المنعطف الأبرز كان دخولي مجال تجارة مواد التجميل ضمن شبكة فرنسية تعتمد نظام الامتياز (Franchise). كانت تجربة قاسية بالنظر لصغر سني وضعف إتقاني للغات الأجنبية حينها، لكنها كانت مدرستي الكبرى؛ توزيع المطويات في الشارع ومخاطبة الزبائن وإقناعهم كسر حاجز الخجل، وبنى داخلي مهارات التواصل والثقة في النفس.
س: من عالم التجارة إلى قلب العمل المدني، كيف تبلور الوعي الجمعوي لديك حتى تأسيس «جمعية إيگيا للتنمية والثقافة والرياضة»؟
الجواب: لم يكن دخولي للعمل الجمعوي صدفة؛ نحن نشأنا في بيوت تتنفس ثقافة التضامن الأمازيغي الأصيل المعروف بـ «تويزي». تأثرت كثيراً بشخصيات عائلية خدمت المنطقة بتفانٍ كالمرحوم محمد بيجعاض. في نهاية التسعينيات وبداية الألفين، بدأنا كشباب بإيگيا ننظم أنشطة كروية في الأعياد. ومع نضج الفكرة، أدركنا أن العمل الموسمي غير كافٍ، ولا بد من إطار قانوني يحمي هذه المبادرات ويعطيها وزناً ترافعياً، فكان تأسيس الجمعية التي فتحت الباب لمشاريع تنموية، اجتماعية، ورياضية مهيكلة.
س: ارتبط اسمكم بدوري «آيت واسو» الكروي، الذي تحول إلى ظاهرة سنوية بتسكدلت. ما خلفية هذا المشروع؟
الجواب: الدوري وُلد من رحم الحاجة والتحدي. كنا نشارك كفريق في دوريات مجاورة كدوري «الحلات»، وعندما توقف هذا الأخير، قررنا ألا يستسلم شبابنا للفراغ. بجهود ذاتية ومساهمات بسيطة، قمنا بتهيئة ملعب ترابي بسوق السبت «آيت واسو». بدأنا بستة فرق، ليتحول مع توالي السنوات إلى تظاهرة كبرى تستقطب عشرات الفرق ولاعبين متميزين، ويصبح موعداً سنوياً لصلة الرحم بين الساكنة وأبناء الجالية خلال عيد الأضحى.
س: يرى متتبعون أن الدوري لم يكن مجرد منافسة رياضية، بل كان رافعة لمشاريع أخرى. كيف وظفتم الرياضة لخدمة التنمية؟
الجواب: بالضبط، الكرة بالنسبة لنا لم تكن يوماً غاية في ذاتها، بل كانت «واجهة جذب» ووسيلة لجمع الشمل ولفت الانتباه. استثمرنا التجمعات الجماهيرية لنقل صوت المنطقة واحتياجاتها للمنتخبين والمسؤولين. بفضل هذه الدينامية، استطعنا في الجمعية الترافع والمساهمة في مشاريع ملحة كالماء الصالح للشرب، وفك العزلة عبر المسالك، وكفالة الأيتام، ودعم المساجد. الرياضة كانت الأداة، والتنمية كانت هي الهدف.
س: على ذكر الترافع، كيف تصفون علاقة المجتمع المدني بالمجلس الجماعي لتسكدلت اليوم؟
الجواب: الجمعيات هي المجسات الحقيقية لنبض الشارع والقرى. المجلس الجماعي الحالي، برئاسة الحاج سعيد فقير، يتعامل بمرونة ووعي تشاركي نثمنه. نحن نؤمن بأن دور الفاعل الجمعوي ليس التصفيق ولا المعارضة المجانية، بل هو شريك تقني وميداني يمد المنتخبين بالمعطيات الواقعية، لكي تُوجّه المشاريع حيثما وُجدت الحاجة الفعلية بعيداً عن الحسابات الضيقة.
س: إلى جانب الميدان الجمعوي، برزتم في الساحة الفنية كعازف ومؤسس لمجموعة «إتران». كيف تلاقى الفن مع العمل الجمعوي في تجربتكم؟
الجواب: الفن والعمل الجمعوي وجهان لعملة واحدة: خدمة الإنسان وقضاياه. تأثرت في بداياتي بعشقي للموسيقى وبالمرحوم محمد بلوقيد، وبدأت كعازف إيقاع واحتككت برواد فن «أمارگ» ومجموعات مثل «أودادن» و« عبلا أيور». سنة 2010، أسسنا مجموعة «إتران»، وسجلنا ألبومات مع «تامزا ميوزيك» حملت رسائل حول هموم الشباب، الهجرة، التشبث بالأرض، وأهمية التضامن. الفن الأمازيغي بالنسبة لي ليس ترفيهاً، بل رسالة نضالية لنقل قضايا قرانا إلى واجهة المهرجانات الوطنية مثل مهرجان «تاموسيدا».
س: كلمة أخيرة نختم بها هذا الحوار، ما هي الرسالة التي توجهها للشباب المقبل على العمل الجمعوي في العالم القروي؟
الجواب: رسالتي الأولى هي: العلم والتمدرس أولاً. السلاح الأقوى لخدمة قريتك ووطنك هو الشهادة والوعي الأكاديمي. أما داخل الميدان الجمعوي، فنصيحتي للشباب أن يتسلحوا بالإخلاص ونكران الذات، والأهم من ذلك: «ضعوا القطن في آذانكم». طريق العمل التنموي مليء بالمثبطات والإشاعات، والرد الوحيد على المشككين هو الإنجاز على الأرض. يد واحدة لا تصفق؛ فالتنسيق والاتحاد بين جمعيات المنطقة هو المخرج الوحيد لصناعة نهضة حقيقية بتسكدلت.
